فخر الدين الرازي
222
تفسير الرازي
وفي آخرها بالمدينة ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز . وأما جوابهم الرابع : فضعيف أيضاً ، لأن قوله تعالى : * ( قل لا أجد فيما أوحى إلي ) * يتناول كل ما كان وحياً ، سواء كان ذلك الوحي قرآناً أو غيره ، وأيضاً فقوله في سورة البقرة : * ( إنما حرم عليكم الميتة ) * يزيل هذا الاحتمال . فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام ، وصحة هذا المذهب ، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله ، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ما استخبثه العرب فهو حرام " وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط ، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه ، لما رآهم يأكلون الضب قال : " يعافه طبعي " ثم إن هذا الاستقذار ما صار سبباً لتحريم الضب . وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئاً ، وقد يختلفون في بعض الأشياء ، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون ، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط ، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟ المسألة الثالثة : اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . فأولها : الميتة ، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام : " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد " وثانيها : الدم المسفوح ، والسفح الصب . يقال : سفح الدم سفحاً ، وسفح هو سفوحاً إذا سال . وأنشد أبو عبيدة لكثير : أقول ودمعي واكف عند رسمها * عليك سلام الله والدمع يسفح قال ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء ، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، وعلى هذا التقدير : فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما ، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل ، وسئل أو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم . وعن القدري : يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس به ، إنما نهى عن الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس . ورابعها : قوله : * ( أو فسقاً أهل لغير الله به ) * وهو منسوق على قوله : * ( إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً ) * فسمى ما أهل لغير الله به - فسقاً - لتوغله في باب الفسق كما يقال : فلان كرم وجود إذا كان كاملاً فيهما ، ومنه قوله تعالى : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) * ( الأنعام : 121 ) . وأما قوله تعالى : * ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ) * فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة ، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم ، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة . وقوله عقيب ذلك : * ( فإن ربك غفور رحيم ) * يدل على حصول الرخصة ،